عمران سميح نزال
8
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
فقد أخبرنا اللّه تعالى في سورة الفرقان المكية عن اعتراض الذين كفروا على عدم نزول القرآن جملة واحدة فقال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً . وقلنا : إن في هذه الآيات الكريمة تسجيلا لاعتراض الذين كفروا أولا ، وجوابا على المعترضين ثانيا ، وإن في الجواب إقرارا وبيانا للطريقة التي كان ينزل بها القرآن الكريم مفرقا ثالثا ، وإنّ في الجواب تعليلا لهذه الطريقة التي كان ينزل بها القرآن الكريم وهو التثبيت رابعا . وما نلفت الأنظار إليه في بيان أوجه تعليل نزول القرآن الكريم مفرقا ، إذ في التعليل نص على مقصد التثبيت أولا ، وأن نزوله كان مرتلا ترتيلا ثانيا ، أي مرتبا ومتتابعا ، وتنزيلا بعد تنزيل وليس في نزول واحد ، وهذا مستفاد أيضا من قوله تعالى : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ، أي رتبناه منتظما ، نزولا بعد نزول وآيات بعد آيات ، وهذا الترتيل للآيات في السورة الواحدة كائن قبل أن يكون الترتيب للقرآن الكريم كله ، فلم ينزله دفعة واحدة ؟ فالجواب كشف عن السبب العام لطريقة النزول ، وهو التفاعل مع الواقع المكي ثم المدني ، وهو معنى الآية التالية من سورة الفرقان : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ، فكلما أتوك بمثل جئناك بما هو الحق وبما هو أحسن تفسيرا ، أي أن القرآن الكريم كان يجيب على أمثال الذين كفروا وأقوالهم ، فلم يكونوا يأتون بمثل خلال فترة نزول القرآن الكريم كله إلا ونزل الجواب من اللّه تعالى في وقته وزمنه وحينه ، وبما يثبت الحقيقة ويزهق الباطل ، بل وكان مثل القرآن أفضل وأحق من مثلهم ، وأحسن تفسيرا ، أي : حجة وبيانا . وفي ذلك تأكيد على علة وحكمة النزول مفرقا ، وهو أن القرآن الكريم كان في نزوله يتفاعل مع أحداث الدعوة الإسلامية وما يثار عليها من اعتراضات أو أسئلة أو ردود ، طوال تاريخ البعثة المحمدية ، سواء في مكة أو في المدينة ، وسواء من الذين كفروا من قريش أو مع كفار أهل الكتاب أو مع المشركين ، أو غيرهم ، وقد كان القرآن الكريم يتفاعل ويجيب على أسئلة المسلمين واستفساراتهم ، أي أن القرآن الكريم كان يتفاعل